|
شمائل العباس كان العباس عليه السلام طويلاً في جسمه، جميلاً في محياه ،وسيماً في ملامحه ولكن جماله لم يكن يقتصر على شمائله المادية وحدها، وإنما كان يتعدى ذلك إلى روحه المفعمة بالإيمان ،المليئة بالفضائل، فقد كان يتميز بأخلاقه النبيلة، كما كان يتميز بشمائله الجميلة. لقد كان باطنه مليئا بنور الهداية وكان جماله الظاهري واحداً من مظاهر جماله الباطني، وكان تميزه بتلك الصفات قد حوله من مجرد رجل صالح إلى قدوة الصالحين ، ومن مجرد صديق إلى اسوة للصديقين. اولاً: البصيرة النافذة: يتحرك الإنسان في الحياة بحسب رؤيته فيها. فإذا كانت بصيرته لا تتجاوز حدود ملذاته وشهواته المادية فإنه سيتصرف تماماً كما يتصرف حمار الطاحونة، يدور حول ذاته يأكل للعمل، ويعمل ليأكل، حتى ينتهي أجله في هذه الحياة. أما إذا كانت لديه بصيرة يفهم بها حقيقة الدنيا، ويتطلع منها إلى عالم الآخرة الأوسع، فإنه سيتصرف حينئذ بشكل مختلف، لا بمعنى أنه سيخرج كونه بشراً لا يأكل ولا يشرب ولا ينام، وإنما بمعنى أنه سيتصرف تماماً كما كان يتصرف الأنبياء والرسل عليهم السلام فهم كانوا يأكلون كما يأكل البشر ويشربون ويعملون كما يعمل سائر الناس، إلا إنهم كانوا يلتزمون بكل ما يوحى إليهم ويتصرفون كما يريد الله منهم أن يتصرفوا. وقد ذكر القرآن الكريم ذلك قائلاً{قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي}. وحقا لقد كان العباس على بصيرة من أمره، وعلى يقين من الحق الذي هو عليه، ملتزما بكل ما أمره به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولقد قال الإمام الصادق عليه السلام في حقه: ((كان عمنا العباس نافذ البصيرة صلب الإيمان، جاهد مع أبي عبد الله عليه السلام وأبلى بلاءً حسناً، ومضى شهيداً)). ولاشك أن الإنسان حينما يكون نافذ البصيرة، فإن حركته في الحياة ستدور في جزئياتها وكلياتها حول محور الحق وسيتمتع بكل الصفات الحسنة التي يتمتع بها الصالحون، لآن البصيرة تجر الإنسان إلى حضيرتها، كما أن فقدانها يصيب الروح بالعمى، فلا يعرف صاحبه ما الذي يعمل ، بل ربما يرتكب الموبقات ويسقط في مستنقع الرذائل، ويتدحرج إلى كل رذيلة فيها، لأنه سيكون مثالاً لقوله تعالى{صم بكم عمى فهم لا يعقلون}فمن لا يعقل لا يرى ومن لا يرى يقع في مزابل الطريق. أما العباس، فقد كان نافذ البصيرة، كما كان من علماء أهل البيت عليهم السلام الأجلاء حتى رُوي أن العباس زق العلم زقا. ولقد روي أيضاً أنه كان من فقهاء أولاد الأئمة، وكان عدلاً ثقة تقياً نقياً وكما روي أنه كان من أكابر وأفاضل فقهاء أهل البيت، ((بل أنه كان عالماً من غير معلم)). ثانياً: الطاعة لله و رسوله: ليس سهلاً أن يكون الإنسان مطيعاً لأوامر الله في كل صغيرة وكبيرة من أموره، مجانباً ما نهى عنه الله ،ملتزماً بمنهج رسوله، ومطيعاً لإمام زمانه. ذلك لآن طبيعة الإنسان قائمة التمرد، وذلك نابع من ذات البشر، الظلمانية لولا هداية الله فـ{إن الإنسان لظلوم كفار} ولقد قال ربنا {إن الإنسان لفي خسرٍ} فلو ترك الإنسان وشأنه لاختار الموبقات وقدم شهوات الدنيا على ثواب الآخرة وهذا ما يفعله الأكثرية من الناس في كافة العصور، {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين} ومن هنا، فإن الملتزمين بأوامر الله ونواهيه المطيعين لله و لرسوله، هم الأبطال الحقيقيون في التاريخ. إذا أخذنا بعين الاعتبار أن الإيمان درجات، فإن مقدار الطاعة في المؤمنين- هو الآخر-درجات. فهنالك من يلتزم بالحد الأدنى من متطلبات الطاعة، وهنالك من يتجاوز الحد الأدنى لكي يصبح من السابقين الأولين الذين قال الله تبارك وتعالى عنهم: {والسابقون السابقون أولئك المقربون} فبمقدار ما يكون الإيمان عميقاً، تكون طاعة الله لدى المؤمن كثيرة، خاصة حينما تتناقض مصلحة الإنسان وسلامته الشخصية مع متطلبات الإيمان والطاعة لله ولرسوله. فلربما يتمتع البعض بالإيمان القلبي لله تعالى، حيث لا يمكنه إنكار وجوده عز وجل، ولكن في مجال الطاعة، يشرك به، فيطيع المصالح والأهواء، او الحكام والسلاطين. ويحاول أن يجمع بين طاعة الله وطاعة العباد. يقول الإمام الحسين عليه السلام: ((الناس عبيد الدنيا، والدين لعق على ألسنتهم يحوطونه ما درت معائشهم، فإذا محصوا بالبلاء قل الديانون)). ويظهر مدى إيمان الفرد من خلال طاعته لمن تجب عليه إطاعته. من هنا تأتي قيمة الطاعة لله ولرسوله كميزان للإيمان الصادق. ولقد كان العباس بن علي عليه السلام في القمة من هذه الناحية، ولذلك يقف الإمام الصادق عليه السلام أمام ضريحه ليقول ((السلام عليك أيها العبد الصالح المطيع لله ولرسوله)). فتلك من أولى الصفات التي اتصف بها هذا العبد الصالح في حياته. فقد آثر أن يموت دون طاعته لله ولرسوله، وأن يقدم نفسه الزكية قرباناً لإمام زمانه. فكان إيمانه حقاً إيمان المخلصين الصادقين.. يقول الحديث الشريف: ((نظر علي بن الحسين عليه السلام سيد العابدين إلى عبيد الله بن العباس بن علي بن أبي طالب، بعد مقتل الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء والعباس معه، فاستعبر الإمام السجاد، ثم قال (( ما من يوم أشد على رسول الله من يوم أحد، قتل فيه عمه حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله، وبعد يوم مؤتة قتل فيه ابن عمه جعفر بن أبي طالب)) ثم قال الإمام ((ولا يوم كيوم الحسين، إزدلف إليه ثلاثون ألف رجل يزعمون أنهم من هذه الأمة، وكل يتقرب إلى الله عز وجل بدمه، وهو بالله يذكرهم فلا يتعظون، حتى قتلوه بغياً وظلماً وعدواناً)) ثم قال عليه السلام: ((رحم الله عمي العباس، فلقد آثر وفدى أخاه بنفسه حتى قُطعت يداه، فأبدله الله عز وجل بهما جناحين يطير بهما مع الملائكة في الجنة، كما جعل لجعفر بن أبي طالب، وإن للعباس عند الله تبارك وتعالى منزلة يغبطه بها جميع الشهداء يوم القيامة)). لقد كانت مميزات العباس أنه كان دائماً في خدمة إمامه سواء أكان الإمام أباه أمير المؤمنين أو الإمام الحسين بن علي، وكان ملجأ لأخيه الحسين عليه السلام في النوائب والمشاكل، وبالحقيقة، فإن موقف العباس عليه السلام من الإمام الحسن، كان كموقف الإمام علي سلام الله عليه من رسول الله. فكما كان أمير المؤمنين يتبع النبي اتباع الفصيل إثر أمه حسب تعبيره عليه السلام مطيعاً لله ولرسوله في كل صغيرة وكبيرة وكذلك كان العباس يتبع الحسين اتباع الفصيل إثر أمه، ويطيعه في كل صغيرة وكبيرة. وكما كان الإمام علي باب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حوائجه، كذلك العباس كان باباً للإمام الحسين عليه أفضل الصلاة والسلام. ثالثاً: التضحية: قد يقال عن الشخص بأنه ضحى بنفسه إذا قتل في معركة، حتى وإن لم يكن واثقاً حين مشاركته فيها من أنه سيقتل. ولكن مثل هذه التضحية في أسفل سلم التضحيات، فالموت مقدر على الإنسان: لم يمت بالسيف مات بغيره تعددت الأسباب والموت واحد فقد يموت الفرد في حادث اصطدام، او بسبب السقوط من ارتفاع شاهق، أو بسبب مرض وغيره لكن غالب الذين يشاركون في المعارك يتوخون الانتصار ويتوقعون الموت في ذات الوقت. بينما التضحية الحقيقة تكمن في أن يقدم الإنسان موقف يعلم بالقطع واليقين أنه مقتول بسببه. فهذا أعلى سلم التضحيات وهذا هو الجهاد الحقيقي. إن الدخول في المعارك لا تعني بالضرورة الموت فيها فإن تدخل في معركة وأنت ترجو النجاة دون أن يصيبك أي أذى، تختلف عما لو دخلت معركة وأنت واثق من أنك لن تخرج منها سالماً على كل حال، هنا تكون التضحية حقيقة ويكون الجهاد حقيقاً وفي أعلى السلم. لقد كان العباس مثل أبيه، من الذين يغامرون بحياتهم في سبيل الله. وكما كان الإمام علياً سلام الله عليه بات ليلة الهجرة في فراش رسول الله، وحوله سيوف متعطشة لدمه، ودخل معارك كثيرة في الحروب التي خاضها رسول الله، كذلك العباس مع فارق أن الإمام علياً لم يقتل في تلك المعارك ولكن العباس قتل في كربلاء وكان يعرف سلفاً أنه مقتول في تلك المعركة.وإذا كان بعض الذين قتلوا في يوم عاشوراء، حدث لهم في ذلك في بدايات المواجهة، إلا أن العباس والحسين كانا آخر من قتل في تلك المعركة، ولذلك كانا واثقين أكثر من غيرهما بأنهما سيقتلان إذ لم يبق معهما أحد يستطيع الدفاع عنهما في مواجهة ثلاثين ألفاً من الأعداء المتعطشين إلى دمائهم الزاكيات فقد كتب الإمام الحسين عليه السلام من قبل رسالته الشهيرة إلى بني هاشم لما حل بأرض كربلاء والتي قال فيها: ((من لحق بنا منكم استشهد، ومن تخلف لم يبلغ الفتح)) وهذا اليقين بالموت هو الذي جعل من العباس واحداً من أعظم رجال التاريخ. لقد كان أصحاب الإمام الحسين عليه السلام يعلمون علم اليقين أنه لا يمكن أن تنتصر مجموعتهم الصغيرة على ثلاثين ألف مقاتل ولكن لا أحد منهم كان مستعداً أن يشتري بقاءه في الدنيا بثمن الخضوع للظلم والطغيان، فحينما يكون الحق صريعاً فإن المطلوب هو أن يدافع عنه المؤمن وأن يضحي من أجله حتى آخر قطرة من دمه، حتى ينقذه أو يصرع معه. ولقد كان العباس عليه السلام حامل راية هؤلاء المؤمنين في يوم عاشوراء. رابعاً الشجاعة: كما أن الموت موتان: موت يأتي إليك فترضى به، لأنك اخترت موقعاً كان فيه الخطر على حياتك. وموت آخر تذهب إليه، وتقتحم عليه معاقله، راضياً بما قسمه الله لك، فتكون أنت من اختار الموت وليس الموت هو الذي اختارك فإن الشجاعة أيضاً شجاعتان: شجاعة أن تقبل بما يقع عليك، من حوادث مؤسفة ومن أخطار جسيمة. وشجاعة أخرى أن تختار موتك ضرباً بالسيف وطعناً بالرماح وتقطع أعضاءك واحدة بعد أخرى، وأنت تنظر إلى ذلك راضياً مختاراً. فأنت الذي اخترت هذا النوع من الموت. و ربما اجتمعت الشجاعتان في الشخص كما حدث ذلك للإمام علي عليه السلام الذي كان يقول: (( والله لا أبالي أوقعت على الموت أم الموت وقع علي)) واجتمعت الشجاعتان أيضاً في العباس عليه السلام فلم يكن يبالي بعدد العدو ولا يقوة عدته، إذ لم يكن يبالي بالكثرة أو القلة في مواجهة أعدائه. حينما يقف الحق في وحيداً في مواجهة جيش من الباطل فإن أصحاب البصيرة يبحثون عن الشهادة من أجل الحق وليس عن الانتصار به. ومن هنا ترى أن العباس عليه السلام مثلاً يذهب وحده إلى المشرعة وهو لا يمتلك إلا يدين اثنتين يحمل بأحدهما القربة وبالثانية السيف، بينما كان يحوم حول الشريعة أربعة آلاف من فرسان العدو ورجاله، وهم مكلفون بحراستها لمنع وصول رجال الحسين عليه السلام إليها. ففي تحما هذه المهمة لم يقل العباس إن الواحد لا يمكن أن يواجه أربعة آلاف، أو أن سيفاً واحداً لا يمكن أن يكسر أربعة آلاف سيف. ولم يقل إن القربة لا تستطيع أن تحمي نفسها من السهام، ولا أن مثل هذا العمل لو نجح في بدايته فلا يمكنه أن ينفلت من قبضة أربعة آلاف من المسلحين الذين امتلؤوا حقداً عليه وعلى أخيه الحسين عليهم السلام. لم كل ذلك وإنما قفز إلى القربة وحملها وامتطى صهوة جواده وانطلق متوكلاً على الله تعالى لأن شجاعة عنده كانت تتمثل في أن يتحمل المسؤولية ويقتحم على الموت معاقله، مع قطع النظر عن حسابات العدد والعدة أو الهزيمة والانتصار. ولهذه الشجاعة الفائقة صار العباس عليه السلام حامل لواء الحسين عليه السلام، وحامل اللواء في المعارك كان في ذلك الزمن أشجع الرجال وأقواهم، لأن اللواء كان الرمز الذي يقاتل حوله المقاتلين فإذا سقط من يد حامله فمعناه الهزيمة لجبهته، وكان الإمام الحسين عليه السلام يدرك سلفاً أن العباس هو ذلك الرجل الذي لو قطعت يده اليمنى في المعركة، فسوف يمسك اللواء باليسرى وإذا قطعت هي الأخرى فسوف يمسكه اللواء بزنديه، وإذا قطعتا فسوف يمسكه بأسنانه. لقد قال أحد أصحاب عمر بن سعد عندما قيل له: ((ويلكم أقتلتم ذرية رسول الله)) قال عظظت بالجندل، إنك لو شهدت ما شهدنا، لفعلت ما فعلنا ثم أضاف(( ثارت علينا عصابة أيديها مقابض سيوفها، كالأسود الضارية تحطم الفرسان يمينا وشمالاًً، وتلقي بنفسها على الموت ولا تقبل الأمان، ولا ترغب في مال ولا يحول حائلٌ بينها وبين حياض المنية أو النصر، فلو كففنا عنها رويداً لأتت على نفوس العسكر بحذافيرها، فما كنا فاعلين لا أم لك)). وجملة((ولا تقبل الأمان)) في كلام جنود عمر بن سعد إشارة إلى الأمان الذي أعطي للعباس وأخوته يوم التاسع من محرم الحرام، و رفضوه بأجمعهم. لقد كان العباس عين الشجاعة وقد ورثها من أبيه كما ورثها من أمه، ومن هنا كان يمثل الشجاعة في أجلى صورها فهو العمود الذي كان يحمي خيمة الحسين عليه السلام. وكان أصحاب الإمام الحسين يرون العباس عليه السلام فيرون الثبات في ضميره، والشجاعة في روحه، و رباطة الجأش في ملامحه، فكانوا يتمثلون به ويمتلؤون ثباتاً وشجاعة عندما يرونه. حقاً لقد أصبح للشجاعة اسمٌ آخر هو ((العباس)). خامساً: الإيثار : إن هو سنام الأخلاق وقد قال الإمام علي(( من آثر على نفسه بالغ في المروءة واستحق اسم الفضيلة)) ولقد تجلى في أعظم صوره في العباس عليه السلام. فقد آثر الموت دون أخيه كما آثر أن يقتل ويقطع دون مبادئه،وقد كان في ذلك مثالاً يضرب للأجيـال...فإذا كان أصحاب فرعون الذين آمنوا بموسى بن عمران عليه السلام وهددهم فرعون قائلاً{ءامنتم له قبل أن ءاذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلا قطعن أيديكم وأرجلكم من خلف ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى} إذا كان هؤلاء قالوا {لن نؤثرك على ما جآءنا من البينات والذي فطرنا فأقض ما أنت قاض إنما تقضى هذه الحياة الدنيا} فإن العباس آثر الإيمان مع الموت، على الأمن مع الشرك وقدم السُلة مع الحق على الذلة مع الباطل، في موقف قل نظيره في نظيره في التاريخ كله. فلم يكن قد واجه مجرد التهديد، وإنما قطعت أعضاؤه بالفعل من دون أن يتراجع قيد أنملة عن موقفه الصامد وآثر نفسه الموت من أجل حياة الآخرين. سادساً: المواساة لقد كان العباس قمة في هذه الصفة، كما كان قمة في الشجاعة والإيثار والتضحية، وقل أن تجد مثله في مواساته حتى عند أصحاب الأنبياء والرسل. إن المؤرخين يذكرون أن أصحاب النبي – باستثناء والد العباس الإمام علي عليه السلام وقلة معه حينما اشتدت بهم المعارك في أحد و حنين وتركوا النبي عرضة لسيوف الأعداء، وهربوا من سوح القتال، بالرغم من ملاحقة نداءات رسول الله لهم قائلاً: أنــا النبـــي لا كـذب انا ابن عبــد المطلب إلى أين تفرون؟ (( أنا محمد أنا رسول الله)) ومع ذلك فقد خذلوه وفروا وبعضهم ذهب بها عريضة ووصل إلى الخارج حدود الجزيرة العربية، حتى نزلت الآية الشريفة بحقهم {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفأين مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين }غير أن العباس في كربلاء فعل مثل ما فعل أبوه في تلك المعارك، فقد وقف وحيداً يدافع عن أخيه. يقول الإمام المهدي عليه السلام: (( السلام علي أبي الفضل العباس المواسي أخاه بنفسه، الآخذ لغده من أمسه، الواقي له المساعد إليه بمائه، المقطوعة يداه...لعن الله قاتليه)). ويقول الإمام الصادق عليه السلام في الزيارة التي تلاها عند ضريحه (( أشهد لقد نصحت. لله ولرسوله ولأخيك فنعم الأخ المواسي لأخيه)). إن اسم العباس ارتبط بالمواساة، كما ارتبط بالشجاعة والإيثار والطاعة وبقية الفضائل ويبدو أن أصحاب الإمام الحسين كانوا يتنافسون جمعياً في صفة الإيثار ولكن العباس عليه السلام كان له قصب السبق في تلك المنافسة. يقول صاحب كتاب ( الكامل في التاريخ): فلما رأوا أنهم لا يقدرون أن يمنعوا من الحسين القتل تنافسوا أن يقتلوا بين يديه. وظهرت المواساة من العباس في رفضه شرب الماء قبل الحسين عليه السلام بعد أن اقتحم بفرسه الفرات وكشف عن الرجال الذين كانوا يحمونه، فدخل الماء واغترف غرفه بيده، ثم تذكر عطش الحسين فرمى الماء وقال قولته الشهيرة:
يا نفس من بعد الحسين هوني وبعد لاكنت أن تكوني هذا حسين وارد المنون وتشربين بارد المعين والله ما هذا فعال ديني ولا فعال صادق اليقينِ
سابعاً: البحث عن ثواب الله عز وجل: على فراش الموت اوصى الإمام علي عليه السلام أولاده الحسن والحسين والعباس وغيرهم بقوله: (( أوصيكما وجميع ولدي، ومن بلغه كتابي هذا، بتقوى الله، وأن لا تبغيا الدنيا وإن بغتكما، ولا تأسفاً على شيء منها زوى عنكم، قولا بالحق واعملا للأجر، كونا للظالم خصماً وللمظلوم عوناً)). وقد أصبحت هذه الوصية منهج أولاده في الحياة، فكانت تقوى الله عز وجل مد بصرهم في كل أعمالهم، وكانت آيات القرآن الكريم هي النـور الذي يمشـون على ضوئه في الحياة، وكانوا يعملون بالحق ومن أجل الأجر الإلهي، ويقفون مع المظلوم ضد الظالم في كل مراحل حياتهم. لقد كان العباس عليه السلام من أولئك الرجال الذين يريدون الثواب لا النصر ويبحثون عن رضا الله لا رضا الناس، ولذلك فإنه كان يعمل دون أن يفتخر بما عمل، لقد ترك فخره إلى الميزان، كما ترك راحته إلى الموت، فلم يكن يريد إلا الأجر من أهله جمع أخوته من أبيه وأمه، وهم عبد الله وجعفر وعثمان وقال لهم: ((يا بني أمي تقدموا حتى أراكم قد نصحتم الله و رسوله، تقدموا حتى أثاب بكم)). فهو كان يرغب أن يرى أخوته وقد جاهدوا في سبيل الله وقاتلوا وقتلوا، وكان يرغب في أن يصاب ويصبر على بلاء الله فيوفيه الله أجر الصابرين. وهكذا فعل أخوته بوصيته فبرز عبد الله بن علي وكان عمره خمسة وعشرين عاماً وكان يرتجز ويقول: أنا ابن ذي النجدة والإفضال ذاك علي الخير ذو الفعال سيف رسول الله ذو النكال في كل يوم ظاهر الأهوال فبارزه من جيش بني أمية هاني بن ثبيت الحضرمي واستشهد عبد الله بن علي على يديه. ثم برز أخوه جعفر بن علي عليه السلام وهو يقول:
إني أنا جعفر ذو المعالي ابن علي الخير ذو النوالي حسبي بعمي شرفاً وخالي
فحمل عليه هاني بن ثبيت الحضرمي أيضاً فقتله و حز رأسه الشريف. ثم برز من بعده أخوه عثمان بن علي عليه السلام، وقام مقام أخوته وكان عمره واحداً وعشرين عاماً وهو يقول:
إني أنا عثمان ذو المفاخر شيخي علي ذو الفعال الطاهر هذا حسين خيرة الأخاير وسيد الكبار والأصاغر بعد الرسول والوصي الناصر فرماه خولي بن يزيد الأصبحي على جبينه فسقط على فرسه، وحمل عليه رجل من بني ابان بن دارم فقتله، وقطع رأسه كما فعلوا ذلك بأخيه، وكان العباس ينظر إلى إخوته وهم يقاتلون ويُقتلون. لقد كان في مقتل إخوته يريد أن يصبر على البلاء ليحصل على الأجر والثواب كما قال الإمام الحسين عليه السلام في خطبته في ظهر الكوفة: ((رضا الله رضانا أهل البيت نصبر على بلائه ويوفينا أجور الصابرين)). ولقد تحمل العباس كل أنواع الشدائد المتصورة في يوم عاشوراء، وكان يريد بذلك أن يكسب أكبر قدر ممكن من الأجر والثواب، فهو يريد أن يكسب الثواب على الشجاعة، وعلى المواساة، وعلى التضحية، وعلى السقاية وعلى الصبر على المصيبة أيضاً. ثامناً الوفاء: في يوم عاشوراء حين عز الناصر و ازداد البلاء، وكان الموت يحوم على رؤوس الرجال، بقي العباس عليه السلام وأخوته أوفياء لأخيهم الحسين بن علي عليه السلام الذي كان يهدده الأعداء بالموت. كان العباس يرى أنه ما دام الخطر يحيط بالحسين من كل جانب، فلا بد أن يتحملوا هم ذلك الخطر، ويدفعوه عن الحسين وأهل بيته مهما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً. فهم يخاطرون بأنفسهم من أجله ويرفضون الحياة دونه. وذلك فإنهم رفضوا فرصة البقاء أحياء دون الحسين مرتين. فقيل قبل قدوم شمر بن ذي الجوشن إلى كربلاء استحصل عبد الله بن أبي محل وهو من خيلان العباس، استحصل من عبيد الله بن زياد على الأمان لهم فقد قال لهذا الأخير: (( أصلح الله الأمير إن بني أختنا من الحسين فإن رأيت أن تكتب لهم أماناً فعلت)). فقال ابن زياد: ((نعم ونعمت عيني)) ثم أمر كاتبه فكتب لهم أماناً وبعث به عبد الله أبي المحل مع مولى له يقال له كزمان فلما قدم هذا الأخير على العباس عليه السلام وإخوته قال لهم: ((هذا أمان بعث به خالكم)). فرفض العباس استلام الأمان وقال لكزمان(( خالنا السلام، وقل له لا حاجة لنا في أمانكم، أمان الله خيرٌ من أمان ابن سمية)), ومرة أخرى رفض العباس وإخوته الأمان الذي جاء به شمر قبل يوم واحد من مقتلهم، فقد روي أنه لما جاء شمر بكتاب من عبيد الله بن زياد إلى عمر بن سعد يطلب من أن يزحف على الحسين عليه السلام ويقضي عليه وعلى أصحابه، وأن يجري الخيل عليهم وإخوته، فجاء الشمر إلى مقربة من مخيم أبي عبد الله الحسين عليه السلام ونادى بأعلى صوته: أين بنو أختنا؟ أين العباس وإخوته؟ غير أن العباس رفض أن يجيبه، فكرر شمر نداءه قائلاً: أين بنو أختنا؟ أين العباس وإخوته؟ فقال الحسين عليه السلام للعباس عليه السلام، (( أجيبوه ولو كان فاسقاً)). فجاء إليه العباس ووقف بإزائه قائلاً: ((ما شأنك وماتريد؟)). قال شمر: جئت لكم بأمان من عبيد الله بن زياد، فأنت وأخوتك آمنون، لا تقتلوا أنفسكم مع الحسين والزموا طاعة أمير المؤمنين يزيد بن معاوية. فقال له العباس: ((لعنك الله، ولعن أمانك، أتؤمننا وابن نبيك رسول الله لا أمان له، وتأمرنا أن ندخل طاعة اللعناء، وأولاده اللعناء)) ثم أدار وجهه عنه وقفل راجعاً إلى الحسين. لقد كان أعداء الحسين يحسبون للعباس وإخوته حساباً خاصاً، فهم يعرفون شجاعتهم وبأسهم وثباتهم، ولذلك كانوا يحاولون مهما امكن إبعادهم عن الحسين عليه السلام لكنهم أساؤوا الظن بالعباس وإخوته، واعتقدوا أن هؤلاء ينظرون إلى الدنيا وكأنها هي الحياة الأبدية كما يفعل أصحاب المصالح أو انهم يمكن أن يستبدلوا الحق بالباطل، خوفاً من الموت، فخاب ظنهم في العباس عليه السلام الذي كان نافذ البصيرة وقد زق العلم زقاً. لقد كان العباس يريد الأمان والأمن ولكنه كان يريدهما للحسين عليه السلام اولاً فهو من الأوفياء الذين قل نظيرهم في التاريخ. فهذه كتب التاريخ تروي أن الحسين عليه السلام لما خطب ليلة عاشوراء في أصحابه وطالبهم بأن يتخذوا الليل جملاً، ويتفرقوا عنه لأن الأعداء يريدونه ولو أنهم ظفروا به لم يقتلوا غيره، وقال لهم ((إن هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً وليأخذ كل رجل منكم بيد رجل من أصحابي، وتفرقوا في سواد ليلكم هذا)). وبعضهم بالفعل قد تفرق عن الحسين عليه السلام هناك قال العباس: ((ولم يا أبا عبد الله؟ ،ألكي نبقى بعدك؟فقبح الله العيش بدونك يا أبا عبد الله )). لقد كان العباس من الأولياء الصالحين الذين كفروا بالطاغوت وآمنوا بالله ومثلهم لا يمكن أن يخضع للباطل مهما كان قوياً، ولن يترك الوفاء مهما كانت الأخطار محدقةً، فإذا لم يكن هنالك خيارٌ غير الموت فسوف يستقبله بكل رحابة صدر ما دام ذلك في سبيل الله، ولمواجهة الطغيان والظالمين.
|